الحزب الشيوعي العراقي وأزمة العامل الذاتي: قراءة نقدية في ضوء أطروحات الرفيق ستار جبار رحمن

🖨️ طباعة هذه المقالة

لا يمكن مقاربة الأزمة الراهنة للحزب الشيوعي العراقي بوصفها نتاجاً مباشراً لهيمنة الطائفية أو سطوة المال السياسي أو اختلال ميزان القوى فحسب، رغم واقعية هذه العوامل. فمثل هذا التفسير، إذا ما عُزل عن النقد الذاتي، يتحول سريعاً إلى ما يسميه الأستاذ ستار جبار رحمن في تحليله العميق «أيديولوجيا الهزيمة»: أي تحويل الشروط الموضوعية من عناصر تحليل إلى ذرائع تبريرية تُعطِّل الفعل السياسي بدل أن تنظّمه. من هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة فحص المأزق الذي يعيشه الحزب الشيوعي العراقي عبر مفهوم العامل الذاتي، ودور التنظيم والقيادة والرؤية السياسية في لحظة تاريخية مأزومة..

 من تفسير الواقع إلى الاستسلام له

يشير الرفيق ستار بوضوح إلى أن الخلل لا يكمن في الاعتراف بسطوة الظروف الموضوعية، بل في تحويلها إلى مبرر دائم للعجز. هذه الإشكالية تتجلى بوضوح في تجربة الحزب الشيوعي العراقي خلال العقدين الأخيرين، حيث أصبح توصيف الواقع بديلاً عن التدخل فيه. فبدلاً من أن تكون السياسة وسيطاً جدلياً بين البنية والفعل، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى إدارة خطابية للهزيمة.

هذا النمط من التفكير يعيد إنتاج فهم ميكانيكي للمادية التاريخية، قريب مما حذّر منه بليخانوف حين يُنقل تحليله البنيوي إلى مستوى السياسة اليومية دون استكماله بمستوى الفعل اللينيني. والنتيجة هي شلل عملي يُقدَّم تحت لافتة “الواقعية”، بينما يُهمَّش السؤال المركزي: ماذا يمكن فعله داخل هذه الشروط، لا بعد زوالها؟

 أزمة العامل الذاتي والتنظيم

يؤكد الرفيق ستار أن العامل الذاتي ليس إرادة فردية ولا حماساً أخلاقياً، بل قدرة جماعية منظَّمة على الفعل. من هذا المنظور، تكشف تجربة الحزب الشيوعي العراقي عن أزمة حقيقية في مستوى هذا العامل: تراجع التنظيم، ضعف التجذّر الاجتماعي، شيخوخة الكادر، وانقطاع التراكم بين الأجيال.

الأخطر من ذلك أن هذا التراجع غالباً ما يُفسَّر بوصفه نتيجة طبيعية لانسداد الأفق الموضوعي، لا كنتيجة أيضاً لاختيارات تنظيمية وسياسية خاطئة. وهنا تتحقق بالضبط ما يسميه ستار جبار «تفريغ العامل الذاتي من مضمونه الجدلي»، حيث يُستدعى المفهوم نظرياً ويُلغى عملياً. فالتنظيم الذي لا يراجع أدواته، ولا يعيد بناء صلته بالمجتمع، يتحول من فاعل تاريخي محتمل إلى شاهد نقدي عاجز.

 القيادة بين الوظيفة التاريخية والجمود

في تحليله لدور القيادة، يقدّم الرفيق ستار جبار معياراً حاسماً: القيادة ليست موقعاً إدارياً ولا شرعية تاريخية، بل وظيفة تاريخية تُقاس بقدرتها على تحويل الإمكان إلى فعل. وإذا ما أُسقط هذا المعيار على واقع الحزب الشيوعي العراقي، تظهر إشكالية واضحة في العلاقة بين القيادة والرؤية السياسية.

فالقيادة التي تخشى النقد، أو تساوي بينه وبين تهديد “وحدة الحزب”، تساهم عملياً في تعطيل العامل الذاتي. كما أن غياب المراجعات الجذرية بعد الإخفاقات الانتخابية والسياسية يعمّق الفجوة بين التحليل والممارسة، ويحوّل الهزيمة من تجربة تعليمية إلى حالة دائمة. بهذا المعنى، لا تصبح أيديولوجيا الهزيمة خطاباً نظرياً فحسب، بل ممارسة تنظيمية يومية.

 التحالفات وفقدان المعنى الطبقي

من أبرز مظاهر الأزمة المعاصرة للحزب الشيوعي العراقي إشكالية التحالفات السياسية. فوفق المنظور الذي يطرحه الرفيق ستار، لا تُقاس التحالفات بقدرتها على تحقيق مكاسب آنية، بل بمدى إسهامها في توسيع أفق الصراع الطبقي والسياسي. غير أن كثيراً من التحالفات التي خاضها الحزب افتقرت إلى هذا البعد، وتحولت إلى تسويات انتخابية هشة، أضعفت الهوية الطبقية دون أن تغيّر ميزان القوى.

هذا الخلل لا يعود فقط إلى سوء التقدير، بل إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة تحدد وظيفة الحزب داخل التحالف، وحدود التنازل، وأفق الصراع. وبدون هذه الرؤية، تتحول السياسة إلى إدارة بقاء، لا إلى ممارسة تغيير.

 الحزب والحركات الاحتجاجية – حضور بلا تحويل

ينبّه الرفيق ستار إلى أن العفوية، مهما كانت قوية، لا تتحول إلى فعل تاريخي دون تنظيم. هذه الفكرة تُلقي ضوءاً كاشفاً على علاقة الحزب الشيوعي العراقي بالحركات الاحتجاجية. فرغم الحضور الرمزي والمشاركة الخطابية، لم ينجح الحزب في تحويل هذه اللحظات إلى تراكم تنظيمي مستدام.

جزء من المشكلة يكمن في التعامل مع الجماهير بوصفها “غير جاهزة”، لا بوصفها فاعلاً يتعلم عبر الصراع. هذا الفهم يعيد إنتاج علاقة فوقية بين الحزب والشارع، ويُبقي الحزب في موقع المعلّق لا المنظِّم، وهو ما يتناقض جذرياً مع مفهوم العامل الذاتي كما يطرحه التحليل الماركسي النقدي.

 ضد أيديولوجيا الهزيمة

في ضوء ما يقدّمه الرفيق ستار من تفكيك عميق لمفهوم العامل الذاتي وأيديولوجيا الهزيمة، يمكن القول إن أزمة الحزب الشيوعي العراقي ليست أزمة ظرف، بل أزمة وظيفة تاريخية. فالحزب، لكي يستعيد دوره، يحتاج إلى ما هو أكثر من خطاب نقدي للواقع؛ يحتاج إلى نقد جذري لذاته، وإلى إعادة بناء تنظيمه ورؤيته وقيادته على أساس فهم جدلي للعلاقة بين الشروط الموضوعية والفعل السياسي.

من دون ذلك، ستظل الماركسية حاضرة بوصفها لغة تحليل، وغائبة بوصفها ممارسة تغيير. وسيبقى الحزب يدور في حلقة تبرير العجز، بينما التاريخ لا ينتظر القوى التي تكتفي بفهمه دون التدخل فيه.

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 5 من 5 (1 صوت)
📂 التصنيفات: مقالات, مقالات رأي

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.